عبد الله بن قدامه

526

المغني

( فصل ) ولا تجزئه القراءة بغير العربية ولا ابدال لفظها بلفظ عربي سواء أحسن قراءتها بالعربية أو لم يحسن وبه قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد ، وقال أبو حنيفة : يجوز ذلك . وقال بعض أصحابه إنما يجوز لمن لم يحسن العربية واحتج بقوله تعالى ( وأوحي إلي هذا القرآن لا نذركم به ومن بلغ ) ولا ينذر كل قوم إلا بلسانهم ( 1 ) ولنا قول الله تعالى ( قرآنا عربيا ) وقوله تعالى ( بلسان عربي مبين ) ولان القرآن معجزة لفظه ومعناه فإذا غير خرج عن نظمه فلم يكن قرآنا ولا مثله وإنما يكون تفسيرا له ولو كان تفسيره مثله لما عجزوا عنه لما تحداهم بالاتيان بسورة مثله . أما الانذار فإنه إذا فسره لهم كان الانذار بالمفسر دون التفسير : ( فصل ) فإن لم يحسن القراءة بالعربية لزمه التعلم فإن لم يفعل مع القدرة عليه لم تصح صلاته فإن لم يقدر أو خشي فوات الوقت وعرف من الفاتحة آية كررها سبعا ، قال القاضي : لا يجزئه غير ذلك لأن الآية منها أقرب إليها من غيرها وكذلك إن أحسن منها أكثر من ذلك كرره بقدره ، ويحتمل أن يأتي ببقية الآي من غيرها لأن هذه الآية يسقط فرضها بقراءتها فيعدل عن تكرارها إلى غيرها

--> ( 1 ) نقل الحنفية عن أبي حنيفة انه رجع عن هذا القول ولم يعمل به أحد من مقلديه ولامن غيرهم فاستمر الاجماع العملي على قراءة جميع المسلمين القرآن في الصلاة وغيرها بالعربية كأذكارها وسائر الأذكار والأدعية المأثورة على كثرة الأعاجم حتى قام بعض المرتدين من أعاجم هذا العصر يدعون إلى ترجمة القرآن وغيره من الأذكار والتعبد بالترجمة وإنما مرادهم التوسل بذلك إلى تسهيل الردة على قومهم ونبذ القرآن المنزل من عند الله وراء ظهورهم وهو إنما نزل باللسان العربي كما هو مصرح به في الآيات المتعددة وإنما كان تبليغه والدعوة إلى الاسلام به والانذار به كما أنزله الله تعالى لم يترجمه النبي صلى الله عليه وسلم ولا أذن بترجمته ولم يفعل ذلك الصحابة ولا خلفاء المسلمين وملوكهم . ولو كتب النبي صلى الله عليه وسلم كتبه إلى قيصر وكسرى والمقوقس بلغاتهم لصح التعليل الذي علل به ذلك القول الشاذ الذي قيل إن أبا حنيفة قاله وعلله به وأصرح ما يراه من الآيات قوله تعالى ( نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين ) وقد بين الإمام الشافعي في رسالته الشهيرة في الأصول ان الله تعالى فرض على جميع الأمم تعلم اللسان العربي بالتبع لمخاطبتهم بالقران والتعبد به ولم ينكر ذلك عليه أحد من علماء الاسلام لأنه أمر مجمع عليه وان أهمله الأعاجم بعد ضعف الدين والعلم